السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
104
مختصر الميزان في تفسير القرآن
الغرض وعطف بعضه المذكور عليه كثير في القرآن كقوله تعالى : وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( الأنعام / 75 ) ، وفي هذه الصنعة إيهام أن الأغراض الإلهية أعظم من أن يحيط بها فهم أو يفي بتمامها لفظ . وقوله : وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا إشارة إلى تحتم القضاء في أمر هذا الغلام الزكي فلا يردّ بإباء أو دعاء . قوله تعالى : فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا القصي البعيد أي حملت بالولد فانفردت واعتزلت به مكانا بعيدا من أهله . قول تعالى فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ إلى آخر الآية ؛ الإجاءة إفعال من جاء يقال : أجاءه وجاء به بمعنى وهو في الآية كناية عن الدفع والإلجاء ، والمخاض والطلق وجع الولادة ، وجذع النخلة ساقها ، والنسي بفتح النون وكسرها كالوتر والوتر هو الشيء الحقير الذي من شأنه أن ينسى ، والمعنى - أنها لما اعتزلت من قومها في مكان بعيد منهم - دفعها وألجأها الطلق إلى جذع نخلة كان هناك لوضع حملها - والتعبير بجذع النخلة دون النخلة مشعر بكونها يابسة غى مخضرّة - وقالت استحياء من الناس : يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا وشيئا لا يعبأ به منسيا لا يذكر فلم يقع فيه الناس كما سيقع الناس فيّ . قوله تعالى : فَناداها مِنْ تَحْتِها أَلَّا تَحْزَنِي إلى آخر الآيتين ؛ ظاهر السياق أن ضمير الفاعل في « فَناداها » لعيسى عليه السّلام لا لروح السابق الذكر ، ويؤيده تقييده بقوله : « مِنْ تَحْتِها » فإن هذا القيد أنسب لحال المولود مع والدته حين الوضع منه لحال الملك المنادى مع من يناديه ، ويؤيده أيضا احتفافه بالضمائر الراجعة إلى عيسى عليه السّلام . وقوله : « أَلَّا تَحْزَنِي » تسلية لها لما أصابها من الحزن والغمّ الشديد فإنه لا مصيبة هي أمرّ وأشقّ على المرأة الزاهدة المتنسّكة وخاصة إذا كانت عذراء بتولا من أن تتهم في عرضها وخاصة إذا كانت من بيت معروف بالعفّة والنزاهة في حاضر حاله وسابق عهده وخاصة إذا